عبد القاهر الجرجاني

204

دلائل الإعجاز في علم المعاني

واعلم أنه ليس كلّ ما جاء كناية في إثبات الصفة يصلح أن يحكم عليه بالتناسب . معنى هذا : أن جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض بمرض الممدوح كما قال البحتريّ : [ من الطويل ] ظللنا نعود الجود من وعك الّذي * وجدت ، وقلنا اعتلّ عضو من المجد " 1 " وإن كان يكون القصد منه إثبات الجود والمجد للممدوح ، فإنه لا يصحّ أن يقال إنه نظير لبيت " زياد " كما قلنا ذاك في بيت أبي نواس : ولكن يصير الجود حيث يصير وغيره مما ذكرنا أنه نظير له كما أنه لا يجوز أن يجعل قوله : وكلبك أرأف بالزّائرين " 2 " مثلا ، نظيرا لقوله : مهزول الفصيل وإن كان الغرض منهما جميعا الوصف بالقرى والضيافة ، وكانا جميعا كنايتين عن معنى واحد ، لأن تعاقب الكنايات على المعنى الواحد لا يوجب تناسبها ، لأنه في عروض أن تتّفق الأشعار الكثيرة في كونها مدحا بالشجاعة مثلا أو بالجود أو ما أشبه ذلك . وقد يجتمع في البيت الواحد كنايتان ، المغزى منهما شيء واحد ، ثم لا تكون إحداهما في حكم النظير للأخرى . مثال ذلك أنه لا يكون قوله : " جبان الكلب " نظيرا لقوله : " مهزول الفصيل " ، بل كل واحدة من هاتين الكنايتين أصل بنفسه ، وجنس على حدة ، وكذلك قول ابن هرمة : [ من المنسرح ] لا أمتع العوذ بالفصال ولا * أبتاع إلّا قريبة الأجل " 3 " ليس إحدى كنايتيه في حكم النظير للأخرى ، وإن كان المكنيّ بهما عنه واحدا ، فاعرفه . وليس لشعب هذا الأصل وفروعه وأمثلته وصوره وطرقه ومسالكه حدّ ونهاية . ومن لطيف ذلك ونادره قول أبي تمام : [ من الوافر ]

--> ( 1 ) البيت : للبحتري في مدح إبراهيم بن المدبّر ( الديوان 1 / 365 ) . ( 2 ) سبق تخريجه قريبا . ( 3 ) راجع ص ( 181 ) هامش ( 1 ) .